الفيض الكاشاني

412

أنوار الحكمة

فلو كان الناس كلّهم سعداء بنفوس خائفة من عذاب اللّه خاشية ، لاختلّ النظام بعدم القائمين بعمارة هذه الدار من النفوس الغلاظ - كالفراعنة والدجاجلة - والنفوس المكّارة كشياطين الإنس ، والنفوس البهيميّة كجهلة الكفّار . وفي الحديث الربّانيّ : « إنّي جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم » . وقال سبحانه : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ 32 / 13 ] ؛ فكونها على طبقة واحدة ينافي الحكمة ، وفيه إهمال سائر الطبقات الممكنة من أن يخرج من القوّة إلى الفعل ، وخلق أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها . فلا يتمشّى النظام إلّا بوجود الأمور الخسيسة والدنيّة المحتاج إليها في هذه الدار التي يقوم بها أهل الظلمة والحجاب ، ويتنعّم بها أهل الذلّة والقسوة ، المبعّدين عن دار الكرامة والمحبّة والنور . فوجب في الحكمة الحقّة التفاوت في الاستعدادات لمراتب الدرجات في القوّة والضعف والصفا والكدورة : وثبت بموجب قضائه اللازم النافذة في قدره بوجود السعداء والأشقياء جميعا . فإذا كان وجود كلّ طائفة بحسب قضاء إلهيّ ومقتضى ظهور اسم ربّانيّ ، فيكون لها غايات طبيعيّة ، ومنازل ذاتيّة ، والأمور الذاتيّة التي جبّلت عليها الأشياء إذا وقع الرجوع إليها تكون ملائمة لذيذة ، وإن وقعت المفارقة عنها أمدا بعيدا ، والحيلولة عن السكون إليها والاستقرار لها زمانا مديدا ، كما قال تعالى : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [ 34 / 54 ] واللّه تعالى يتجلّى بجميع الأسماء في جميع المقامات والمراتب ، فهو الرحمن الرحيم ، وهو العزيز القهّار . وفي الحديث « 1 » « لولا أنّكم تذنبون لذهب بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر اللّه لهم » .

--> ( 1 ) مع فرق يسير في مسلم : 4 / 2105 - 2106 ، كتاب التوبة ، باب سقوط الذنوب بالاستغفار .